محمد جمال الدين القاسمي

427

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الكتب من السماء ، وأما كفار قريش فكانوا ينكرون رسالة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه من البشر ، كما قال تعالى : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ [ يونس : 2 ] . وكقوله تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [ الإسراء : 94 ] . وكذا قالوا هنا : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ . فألزموا بإنزال الكتاب الذي جاء به موسى ، وهو التوراة التي علموا هم وكل أحد أن اللّه أنزلها على موسى تكذيبا لقولهم ، وإيقافا على عنادهم . ومعلوم ما كان بين قريش ويهود المدينة من التعارف ، وتسليم قريش أنهم أهل كتاب ، وأنهم أعلم منهم لأجله ، مما يوجب اعترافهم بحقية التوراة ، وأنها منزلة من لدنه تعالى ، وعلى هذا القول ، فالقراءة بالياء التحتية ظاهرة . وعلى قراءة الخطاب ، فهو التفات من خطاب قوم إلى خطاب قوم آخرين . وهو التفات عند الأدباء - حكاه الخفاجي - وإنما جعل من الانتقال عن خطابهم إلى خطاب اليهودية ، تعريضا لهم بأن إنكارهم إنزال اللّه تعالى من جنس فعل هؤلاء بالتوراة في البطلان ، وعدم الإسناد إلى برهان . ثم القول بأن الخطاب في عُلِّمْتُمْ لمؤمني قريش . لا يقتضيه السياق ولا السباق ، وفيه تفكيك للنظم الجليل ، كالقول بأنه اعتراض للامتنان على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأتباعه ، لهدايتهم للمجادلة بالتي هي أحسن . بل الخطّاب فيه كسابقه ، والمراد بتعليمهم ، وهم مشركون ، ما يسمعونه ويتلقفونه من النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وصحابته ، من فرائد الوحي وفوائده ، مما لا يرتاب في تنزيلها ، كما أوضحناه قبل . القول الثاني - إن هذه الآية مدنية النزول . ولا يرد أن هذه السورة مكية ، ومناظرات اليهود كانت في المدينة ، لأن كثيرا من السور المكية ألحقت بها آيات مدنية ، وحينئذ فقولهم ( هذه السورة مكية ) أي : إلا ما استثني مما ألحق بها ، كما أوضحه السيوطيّ في ( الإتقان ) وساق له شواهد . وقد أشرنا إلى ذلك أول هذه السورة ، فتذكر ! ثم القائلون بأنها مدنية ، منهم من قال : نزلت في طائفة من اليهود ، أو في فنحاص ، أو في مالك بن الصيف . أخرج ابن جرير من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قالت اليهود : واللّه ما أنزل اللّه من السماء كتابا ، فأنزلت . و أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير - مرسلا - قال : جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف ، فخاصم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى ، هل تجد في التوراة أن اللّه يبغض الحبر السمين - وكان حبرا سمينا - ؟ فغضب وقال : ما أنزل اللّه على بشر من شيء ! فقال له أصحابه : ويحك ! ولا على موسى ؟ فأنزل اللّه : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ . . الآية .